Showing posts with label خواطر مسيحية. Show all posts
Showing posts with label خواطر مسيحية. Show all posts

Friday, January 18, 2013

في نقد الفكر المسيحي المعاصر: 3- حيلة التبعية

أرحب بك مرة أخرى يا عزيزي، و أذكرك بضرورة قراءة المقدمة.
أما إن كنت قد قرأتها قبل ذلك، فلا داعي لإضاعة المزيد من الوقت و لندخل في الموضوع.

في المرة السابقة قلت لك اني أرى ان اتجاه الفكر المسيحي الحالي يقود المؤمن في دوائر من الذنب و الغفران، و ان ذلك نتيجة مباشرة لتمحور ذلك الفكر حول موت المسيح -و بالتحديد فكرة موته كعقوبة استحققتها أنت- بدلا من حياته و قيامته. أدى ذلك إلى أن دعوات الكنيسة للتبعية أصبحت مضجرة للمستمع.

هنا اعتقد أننا بحاجة لأن نتذكر لماذا تدعوا الكنيسة الناس للتبعية أصلا و لمن تدعوهم.
إجابة هذا السؤال تبدو سهلة: الكنيسة تدعو الناس ليتبعوا المسيح. 
اللوحة المعلقة امام الكنيسة في الصورة هي مثال لتلك الدعوة، يقول لك الملصق أنه مازال من الحكمة ان تتبع المسيح، و الصورة للثلاثة مجوس "حكماء الشرق". و أعتقد ان المقصود هو دعوتك للحضور إلى الكنيسة. (فهذا هو الهدف من الرسائل التي تعلق في هذه اللوحة)

المشكلة هنا هي أن التدقيق في معنى تلك الدعوة يكشف إنها دعوة فارغة من المضمون، و بالتالي فهي تتحول إلى عملية "طعم و تبديل" (نوع من الاحتيال) سواء عن أو بدون قصد.

دعني اشرح لك ما أقصد.
عندما كان المسيح يجول مدن إسرائيل كان بعض الناس يتبعونه، بعضهم دعي للتبعية مباشرة مثل التلاميذ و البعض الآخر ذهب وراءه لأنه كان يشفي المرضى و يطعم الجياع، و البعض الآخر لأنهم كانوا يبحثون عن من يقودهم ضد الإحتلال - هذا هو ما تعلمناه في مدارس الأحد.
و لكن بغض النظر عن السبب، فهناك بعض الأشياء المشتركة بين هؤلاء الأتباع. فأولا هم كانوا يعرفون أنهم يتبعون رجلا رحالا ليس له منزلا ثابتا.

هذا هو أول فارق هام بين دعوة الكنيسة للناس الآن و دعوة المسيح لتلاميذه مثلا.
 فالكنيسة لا تدعوا الناس إلى الترحال. إنها لا تدعوهم للخروج من دائرة راحتهم و إلى عالم أكبر و أكثر خطرا، بل على العكس تماما، الكنيسة تدعوا الناس إلى الدخول في جماعة و التردد على مكان اجتماعها -الثابت- بانتظام.

الكنيسة تدعوك للإنتماء يا عزيزي.
و إذا أردنا الدقة فالكنيسة تقدم لك بالتفصيل شيئين: مجتمع تنضم إليه و إنتماء تنسب اليه نفسك (أن تكون مسيحيا).

المشكلة المبدئية هنا هي ان برغم ان هذه الدعوة في ظاهرها عامة، ففي الواقع محاولة الغريب للإنضمام لذلك المجتمع المسمى بالكنيسة تكشف له أنه بحاجة إلى أن يتطابق أولا مع معاييرهم للفضيلة و المظهر الملائم بل و يكون من نفس المستوى الإجتماعي لباقي الأعضاء. (أنظر أين يذهب البسطاء ماديا في الكنائس الغنية، فقد وصل الأمر ببعض الكنائس لعمل إجتماعات مختلفة بيحسب انتماؤك للطبقة العليا أو الوسطى أو إلى "اخوة الرب").
هذا الإحتياج للتطابق أصبح بمثابة هوس داخل الكنائس برغم ان الجمع الذي كان المسيح يجلس في وسطه لم يكن كذلك. و لكن لا عجب في ذلك، فعندما يكون الهدف الأسمى للكنيسة هو ان ينتمي اليها أعضاء أكثر فمن الطبيعي ان تسعى الجماعة -أو من يظل فيها- للتقليل من مظاهر الإختلاف ليصبح هذا الإنتماء أسهل و تصير الجماعة اكثر تلاحما.

هذا هو أول اختلاف نوعي واضح، ان الكنيسة تدعو إلى الإنضمام، تدعو الناس للتطابق بينما لم يهتم المسيح بذلك اطلاقا. الكنيسة تدعو الناس "للدخول" بينما المسيح دعى الناس "للخروج".
ثاني إختلاف هو أنه بينما كان معاصري المسيح يتبعونه شخصيا، فالمؤمن اليوم مدعو لتبعية من لا يرى. و لنتفق من الآن على أنه من المستحيل عمليا ان تتبع شخصا غير مرئيا، خاصة عندما لا يكون قد ترك "لأتباعه" خطوات مفصلة للأسلوب الذي يعتقد أنهم يجب ان يعيشوا به حياتهم.
فالإنجيل و إن كان فيه بعض التعاليم الروحية و الفلسفية فهو ليس وصفيا بما يكفي ليؤدي تلك المهمة أي أن يكون دليل إستخدام للحياة. و إن كان ذلك لم يمنع بعض المعلمين في الكنيسة ان يقولوا ذلك بالظبط، متجاهلين حتى الأسباب المعروفة لكتابة كل سفر (كالرسالة و البشارة و التأريخ و الشعر) و أنه لا يوجد في الكتابات المقدسة كلها كتاب واحد يقول عن نفسه أنه سيخبر القارئ كيف يعيش حياته - بعكس الكتب المقدسة في ديانات أخرى كالإسلام مثلا.

و بما ان الأتباع هنا لا يرون سيدهم، وليس لديهم توجيهات شاملة كتبها هو، تضطر الكنيسة لعرض شخص بديل -مرئي- عليك لكي تتبعه: المعلم أو الكاهن أو الأسقف أو البطريرك.

المشكلة البديهية التي ينتجها هذا و نعلم أننا عانينا منها كثيرا هي النظر إلى الاكليروس على أنهم وكلاء المسيح و إعتبار البطريرك "رمز ديني" و إعتبار أي نقد موجه لهم و له هو نقد للمسيحية و هجوم على الكنيسة. و لن أضيع وقتك عزيزي في تفصيل كيف نخر هذا في عظام الكنيسة حتى أعيى الجسد تماما، فأنا متأكد أنك قد سمعت ما يكفي عن ذلك.

و لكن المشكلة الأكبر و الأعم الناتجة عن التعليم بأهمية التبعية هي أن الفكر المسيحي المعاصر صار قائما على التمييز بين الأتباع و غيرهم.

و لنرجع للملصق الذي يقول لك أنه مازال من الحكمة ان تتبع المسيح مثل المجوس و لنتوقف هنا لحظة.
هل تبع المجوس المسيح فعلا؟
قصة الميلاد تقول لنا ان المجوس ظلوا يتبعون النجم حتى وصلوا إلى بيت لحم، ثم قدموا هداياهم للملك الطفل، ثم عادوا إلى بلادهم.
عادوا و هم مازالوا مجوسا...
لقاء عابر مع الملك، ثم رحلوا. قصة الميلاد كلها في الحقيقة هي عبارة عن لقاءات عابرة في ظروف عابرة (الملائكة و الرعاة، المجوس و هداياهم، الميلاد في المذود).
و بجانب قصة الميلاد الذي كان فيها المسيح طفلا لا يمكنه أن يقود أتباع، فإن كل لقاءات المسيح بعد ذلك هي مع شخصيات نسمع عنها مرة أو مرتين على الأكثر، و هذا شيئا متوقعا فكما علمونا فالمسيح كان رحالا "يجول يصنع خيرا".
و لكن ألا يوحي ذلك بأن تلك اللقاءات العابرة هي ذات أهمية كبيرة؟
بمعنى آخر، إذا كانت قصة الإنجيل عن كيف أنشأ المسيح كنائس في أماكن عدة و كيف انضم اليها الناس و كيف قامت الحرب بين اليهود في ذلك الزمن و أتباع الدين الجديد (مثل قصة نشأة الاسلام مثلا)، إذا كانت تلك هي القصة كان سيكون من الطبيعي و المنطقي أن يهتم التعليم المسيحي بدعوة الناس للتبعية و تمييز الأتباع عن الآخرين.
و لكن القصة ليست كذلك، القصة في الحقيقة تعطي اهمية كبيرة جدا للقاءات عابرة بينما لا تحتوي على الكثير عن إنشاء كنيسة أو تكوين جماعة. لم يكن للمسيح مقر قيادة يذهب اليه الناس و يدير عمليات "التبشير" و شؤون الأعضاء. حتى سفر أعمال الرسل يحكي عن رحلات بولس بدلا من ان يحكي عن أحوال الكنائس التي نشأت في المدن التي بشر فيها.

و لا أرى أن المسيح ذاته كان مهتما بفكرة التبعية. فالمسيح لم يكن مهتما بزيادة عدد أتباعه، بل بالعكس، و لم يكن مهتما بحكر اسمه و عمله على تلاميذه فقط. بل و في لقاءه مع بيلاطس حينما كان يواجه حكم الموت كان رده قاطعا بأنه ليس له أتباع من هذا النوع أي أناس يدينون له بالولاء.
و لكن ماذا عن أولئك الذين دعاهم المسيح ليتبعوه؟ أنا أرى ان هؤلاء كانوا مدعوون للطواف على القرى و البلاد لينشروا البشارة بالملكوت (و سنتطرق لذلك في تدوينة أخرى) و يشهدوا أمام حكام و ملوك. هذا قد يفسر الكثير من ما قاله المسيح عن من يضع يده على المحراث و ينظر إلى الوراء أو أن تدع الموتى يدفنون موتاهم و غير ذلك من التعليم النضالي المتشدد. أي أن هؤلاء كانوا مدعوون لعمل محدد بالغ الصعوبة و يحتاج إلى إستعداد للشهادة و لذلك كان يجب عليهم ان يكونوا 'مستبيعين'، و كما قلت فهذه الدعوة لم تكن عامة، فإنه في نفس القطعة المذكورة يثني آخر عن إتباعه.

لا ارى ان هذا غريبا على الإطلاق، فالمسيح لم يحاول أن يؤسس ديانة أو جماعة. بل بالأحرى فإيماني هو أن مهمة المسيح هي إحداث تغيير أنطولوجي في البشرية كلها و تغيير علاقتها بالكون و صانعه.
أين مقومات التبعية الدينية في حياة و تعاليم المسيح من نصوص وصفية حاكمة و هيئة إدارية هيكلية و مركز جغرافي للدعوة أو للتجمع الديني و نظام عبادة؟
أين تأتي التبعية في تلك الصورة؟ أو بتعبير أدق اين تأتي التبعية الواعية الاختيارية التي يدعي التعليم المسيحي الآن أنها هي باب الملكوت؟ و إذا كانت تلك التبعية شرطا لإحداث التغيير الذي أتى به المسيح فلماذا لم يهتم هو بها؟

ربما يجب علينا ان نكف عن النظر إلى العالم على أنه عبارة عن "معسكرين" ثابتين أحدهم تابع للمسيح و الآخر ضده، احدهم هو كنيسة و الآخر هو باقي العالم.
لا اعني بالتأكيد أنه لا يوجد نوع من الصراع في العالم بين قوى الموت و العدم و بين الحياة و النور، فقط أعني أن الكنيسة كمؤسسة ليست أحد هذين المعسكرين، و ليس من المفروض ان نعتبرها كذلك. الصراع أعقد و أكثر حميمية من ان يكون بين من يدين بالولاء لإسم ما و من لا يدينون به.

و ربما لا تكون التبعية شيئا مهما أصلا.

هذه مشكلة طبعا، خاصة عندما تكون تبعية المسيح هي الدعوة الأساسية للفكر المسيحي الحالي. تعرض الكنيسة عليك تبعية المسيح ثم عندما "تشتري" منها ذلك تعطيك تبعية الكنيسة التي تختلف تماما. هذا هو ما اقصده بحيلة الطعم و التبديل: أقول لك تعال اتبع المسيح ثم حين تسألني كيف أعرض عليك الإنضمام لجماعة و المشاركة في العبادة الكنسية - تلك التي لم يضع نظامها أو يهتم بها المسيح بشخصه بحسب كل ما نعرفه عنه.

و هنا نجد أنفسنا أمام مشكلة أخرى متعلقة، و هي مفهوم العبادة في التعليم المسيحي المعاصر.
و ليكن هذا موضوع التدوينة القادمة.


Sunday, January 6, 2013

في نقد الفكر المسيحي المعاصر: 2- أزمة الإستمرارية

أهلا بك يا عزيزي.

هل قرأت المقدمة؟ أنصحك بأن تفعل.
قرأتها؟ إذن فلنبدأ.

ككل تعليم، يحتاج التعليم المسيحي أن يرتكز على شيء ما في واقع الحياة ليكون ذات صلة في ذهن المؤمنين -و غيرهم-  بالكون كما يعرفه و يختبره المتلقي شخصيا. هذه الخبرة الشخصية يجب ان ترتبط بصلة وثيقة بمركز هذا التعليم، ليقدر هذا التعليم على الإستمرار في ان يكون مهما و متواقتا و مؤثرا، و إلا يصبح هناك ازمة في إستمرارية هذا التعليم.

دعني أعطيك مثالا:الخطاب السلفي الإسلامي مثلا يركز على قصص السلف و العودة إلى أمجادهم، و بالتالي يحتاج إلى إستحضار أجواء فجر الاسلام في ذهن المتلقي. هذا يخلق أزمة واضحة في الإستمرارية.

ما يعنيه ذلك هو أنه عندما يكون قلب القصة الإسلامية المقدمة هو الدعوة وسط الكفار و المشركين، فإن السرد يفقد أهميته فور فوز المسلمين و هزيمة الكفار. التجربة الروحية هنا تعتمد على وجود حرب بين مجتمع الكفار و الرسول الثائر صاحب الرسالة. بدون ذلك تصير قصص الرسول و الصحابة و المعارك و الفتوحات غير ذات صلة بعقلية المؤمن اليوم، و لا يستطيع أن يتواصل معها.
لذلك فالخطاب السلفي يحتاج و بشدة لوجود الكفار اليوم. ليس ذلك فقط بل و يحتاج ان تكون محاربة الإسلام و المسلمين هي الشغل الشاغل لهؤلاء الكفار - تماما مثل قصص فجر الإسلام. لذلك يتحدثون كثيرا عن مؤامرة الغرب الكافر على الإسلام و اضطهاد المسلمين. الإرتكاز على هذه الخلفية مهم ليظل طرحهم للإسلام ذات صلة بحاضر المؤمن.

بالمثل عندنا في تعليمنا المسيحي المعاصر، عندما أصبح قلب القصة المسيحية هو الصليب و الكفارة بمعنى الإبدال العقوبي تحديدا -أي موت المسيح كعقاب بديل عن عقاب الخطاة- خلقنا بذلك أزمة إستمرارية، حيث فقدت القصة أهميتها بعدما رفع الذنب عن الخاطئ. فالقصة تقول لك ان المسيح مات بديلا عنك لأنك خاطئ مستحقا للموت، و عليك الآن ان تتوب لكي لا تذهب تضحيته هباءا. لكن ماذا لو لم تكن تشعر بانك خاطئ إلى هذه الدرجة؟
أي ان المسيحي اليوم الذي لا يرتكب أي خطايا 'كبيرة' بما يكفي لتوليد إحساس دائم بالذنب يبدأ في الشعور بأن قصة المسيح لا  تخصه، يجلس أمام المعلم في الكنيسة و يفكر هكذا: حسنا، كنت خاطئا -غالبا في أيام مراهقتي و "الخطيئة" غالبا هي بعض الفضول الجنسي- و حمل المسيح عقوبتي بدلا مني، لكني لست خاطئا الآن، ماذا لديك لتقول لي؟

هنا ليظل طرح التعليم المسيحي "مهما" تبدأ الكنيسة في التعظيم من قدر الخطيئة و تأثيرها -بل و خلقها حينما لا تكون موجودة اصلا- و تغذية الشعور بالذنب عند متلقي التعليم، حتى يصل الأمر إلى أن يصير المسيحيين معروفين في العالم كله بثقافة ذنب لا مثيل لها. و ليس ذلك من فراغ، فالذنب ركن أساسي من أركان التعليم المسيحي المعاصر، و البابا تاوضروس مثلا عندما ذهب إلى كنيسة القديسين في الأسكندرية ليعظ، حكى عن المرأة الفاضلة التي تخاف أنها قد تكتشف عندما تقابل خالقها إنها كانت تضيع وقتها بالعمل في المطبخ، و أن يحاسبها على ذلك. حكى ذلك و استرسل في كيف اننا يمكننا ان نضيع وقتنا في العديد من الأشياء التي تبدو عادية كالنوم و الأكل... الخ!

الإحساس بالذنب هنا أساسي -تماما مثل الشعور بالاضهاد عند السلفي- فمنه يستمد التعليم معناه و أهميته و يتحول من قصة قديمة إلى واقع يخص المؤمن شخصيا.

يخلق ذلك مشكلة أخرى متعلقة و هي حتمية الفشل في الحياة الروحية. فبرغم التعليم عن ضرورة التوبة و تغيير الذهن، فإنه يجب على المؤمن ان يفشل في ذلك أو على الأقل ان يكون نجاحه مؤقتا، حتى يستطيع ان ينظر إلى الصليب ثانيا و يمر بالتجربة الروحية المرتبطة بذلك و من ثم يتوب لينال الغفران ثانيا، لكي تستمر التجربة الروحية.

أذكر مثلا عندما كنت حاضرا لدرس للكتاب المقدس في احدى كنائس المهجر و سأل المعلم الحاضرين عن هدف الصوم، و كان الرد التقليدي هو: لكي نتغير.
حسنا، ألا يعني هذا انه إن نجحنا في التغيير لن نحتاج إلى الصوم بعد ذلك؟ إما ذلك أو يكون صيامنا -هذا الصوم و الماضي و القادم- فاشلا!

هل ترى المشكلة يا عزيزي؟ لكي يستمر هذا التعليم كما هو، يجب عليه ان يسير بالمؤمن في دوائر: انت مذنب، يجب ان تتوب و تتغير، انت لا زلت مذنب، يجب ان تتوب و تتغير... الخ.
يساعد هذا التعليم على الإستمرار في بلادنا هوس المجتمع بالجنس و رفضه له في نفس الوقت، مما يوفر للمؤمن مصدر متجدد للإحساس بالذنب. و لكن ذلك لا يكفي للحفاظ على الكثير من الناس داخل الكنيسة -هؤلاء الذين تخطوا هذا الهوس بطريقة أو أخرى- كما يفقد أهميته تماما في الخارج حيث لا يعتبر أغلبية الناس ممارسة الجنس أو التفكير فيه خطيئة تستوجب العقاب.

و لكن إذا كان مركز التعليم المسيحي هو نصرة الحياة على الموت، حيث لا يأخذ الذنب بمفهومنا له دور العدو الأكبر بل الموت كما شرحه أثناسيوس مثلا، و حيث تكون قصة فداء الله هي قصة اتحاده بالبشرية (و مركزها الميلاد) و نصرته لها على الموت و الألم  (و مركز القصة هنا هو القيامة و ليس الصليب، النصرة و ليس الموت) ثم تأليه تلك البشرية بحلول الروح القدس فيها، تصبح رحلتنا معه و مع الكنيسة هي رحلة تأليه بدلا من إعادة تدوير دائمة لمشاعر الذنب و الغفران.

كم كان سيكون أفضل لو في الجنازات تحدثت عظات الكهنة عن القيامة و الرجاء في الحي الذي لا يموت، بدلا من قصر الأيام و ضرورة التعجيل بالتوبة.

كم كان سيكون أفضل لو أن البابا تاوضروس في كنيسة القديسين بالأسكندرية -تلك التي عانت من الموت أكثر من كنائس كثيرة- تحدث عن كسر شوكة الموت و نصرتنا في المسيح عليه، بدلا من الإستثمار في مشاعر الذنب التي لسيدة مسكينة مضطربة.

أليس هذا أفضل كثيرا؟ أليس أكثر إستمرارية و تواقت و أهمية؟ أليس ذو صلة وثيقة باختبارنا للحياة التي نحارب فيها الموت و الألم بشكل دائم؟

أعتقد ذلك، و أعتقد أيضا ان ابتعاد الكثيرين عن الكنيسة يرجع إلى انهم ببساطة فقدوا اهتمامهم بالتعليم، فهو بفكره الحالي غير قادر على ان يظل ذو أهمية و صلة بحياتهم، و بالتالي أصبحت دعوات الكنيسة للتبعية مضجرة و بلا فائدة.

مما يقودنا الى مشكلة التبعية، و تدوينة أخرى قادمة.


في نقد الفكر المسيحي المعاصر: 1- مقدمة

عزيزي،
لا أعتقد أني كتبت مقدمة لأي شيء على هذه المدونة قبلا، أولا لأني لا أكتب إلا حينما يشغلني موضوع للغاية حتى يبدأ في ازعاجي، و بالتالي يدفعني لإخراجه من بالي بالكتابة عنه، و ثانيا لأن قرائي ليسوا بالكثرة التي تسمح لي بأن أجازف بخسارة إهتمامهم بمقدمات مملة.

لكنني الآن اجد نفسي مضطرا لعمل إستثناء، فبدون مقدمة سوف يسيء الجميع فهم هذه السلسلة. لذلك فباختصار:
  1. هذه سلسلة هدفها طرح بعض الأفكار في الفكر المسيحي الحالي - كما عرفته من الكنائس المصرية بطوائفها و إن كان للكنيسة القبطية الأرثوذكسية نصيب الأسد - و نقدها.
  2. مثل كل التدوينات المسلسلة هنا، غالبا لن أنهي هذه السلسلة، فدائما ما أشعر ان لدي المزيد لأقوله، و دائما ما أتوقف قبل ان أقوله كله، و بالتالي فهذه السلسلة لن تشمل كل أو حتى اغلب المشاكل التي في فكرنا الديني المعاصر.
  3. تلاحظ عزيزي أنني كتبت "فكرنا". نعم، أنا مازلت أنسب نفسي للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، لذلك فهذه السلسلة ليس هدفها تفكيك العقيدة المسيحية و نقدها لإثبات خطأها. إن كنت جئت لهذه الصفحة بحثا عن مايعضد إيمانك النسبي بعقيدتك الغير مسيحية عن طريق قراءة نقد للمسيحية من "شاهد من أهلها"، فأنا آسف جدا، النمرة غلط.
  4. قد تجد في هذه السلسلة بعض النقد لفكر ديني غير مسيحي أيضا، لن يكون ذلك اصطناعا للحياد أو محاولة للموازنة 'علشان محدش أحسن من حد' إطلاقا. كذلك لا يجب أبدا ان تظن عزيزي أنني اريد ان أوحي لك بأن 'كله زي بعضه'. يكفيني أن تعرف ذلك.
  5. أكتب هذه السلسلة لسبب واحد، أنني أرى لنا ككنيسة إيمان أقوى و أفضل و أكثر مسيحية من ذلك الذي لدينا الآن، و هذه الرؤية واضحة جدا في عقلي و قلبي حتى أنني اجد نفسي مدفوعا دفعا لمحاولة تحقيقها و لو على مستوى ضيق (أي في القريبين لي، و لا أخفي عنك يا عزيزي أنك أحدهم)، و لن يحدث ذلك حتى نهدم المعبد على رؤوسنا أولا.
  6. قد أتحدث عن الكنيسة الأولى و الآباء أحيانا في هذه السلسلة. لكن إن كنت لا تعرفني جيدا بعد يا عزيزي، فأنا لست آبائي، أي أنني لا  أظن ان الكنيسة يجب ان تعود إلى قوانين و فكر الآباء حتى نعود كلنا إلى أي نوع من الماضي المجيد. أنا فقط أرى الآباء كأحد المصادر المهمة التي تقدر أن تكشف لنا اخطائنا الحالية و أحيانا قد تنجح في ان تقدم لها بعض الحلول. أعتقد أن مستقبلنا يجب ان يكون عالما بماضيه و مستمدا للحكمة منه، و لكنه متخطي له و متقدم فكريا و روحيا عنه كثيرا، فحتى إذا كنا نقدر على العودة إلى الماضي، فلا  أظن أنه ينبغي علينا ان نريد ذلك.
تكفينا كلينا هذه المقدمات... فلنبدأ

Monday, March 19, 2012

حدثوني عن بطرككم


من هو ولما تعبدونه؟
ماذا فعل المسيح حتى تنصبوا بطركا باسمه وتدعوا أن كلام البطرك من كلام الله
المسيح كان يهوديا موبخا لكل رجال الدين المضلين للناس والمنتفعين من مناصبهم. لم يوبخ الايمان اليهودي ولم يعلن أنه بصدد تأسيس دين جديد وان رجال هذا الدين الجديد معهم مقاليد الملكوت ولهم التحدث باسمه...
هل قال لكم ان رجال هذا الدين لا يخطئوا؟ هل قال لكم إن اخطأوا لا تبالوا فلهم السلطان وإن اخطأوا؟ ماذا قال لكم حتى تعبدوا بطرك من بعد اخر؟
تنكرون عن المسيح انسانيته وتدعون انه فعل ما فعل لأنه الله ونحن لا نستطيع لاننا مجرد بشر. ثم تألهون البطرك الإنسان الرافض لانسانية المسيح ولشركتنا في الألوهية مع الله.
إذا بدر منه ما فاق التبريرات المعتادة تدعون كبر سنه ومرضه. هذا الذي اختاره الله حسب ادعائكم لم يحفظ له عقله وهبة التمييز لديه. وعندما يمطر أحد الحكام بكلام أجوف أو بعض سطور الشعر تفاخرون بحكمته الممنوحة من الله له خصيصا.
يحرم من يحرم ويكرم من يكرم، يكيل لكم بمكيالين حسب غناكم وسلطانكم وترون انه من الله.
الهكم منافق محابي للاغنياء وغير محب للخطاة. الهكم قاسي القلب وظالم. الهكم حبه مشروط و نزعته انتقامية. لذلك لا اؤمن بالهكم ولا بطرككم.
الهي محب للكل. قابل للكل. متواضع حقا لا يتعالى على احد. عطوف على الخطاة و المساكين. قصبة مرضوضة لا يقصف و فتيلة مدخنة لا يطفئ.
الآن ترك بطرككم عالمنا الأرضي وفي لمح البصر شعر جموع الأقباط أنهم يتامى و انقبضت القلوب حزنا على ذاك الرجل ذو ال 88 عاما. رحل في سرير في مستشفى خاص بعد ان حظي باحسن أنواع العلاج في مصر وفي الخارج . لم يمنع عنه شيء فلم يوضع على ماكينة غسل كلي محملة بفيروسات الآخرين الكبدية ولا عانى عند نقله إلى الخارج للعلاج في استخراج تصاريح السفر وتأشيرات المرور.
أي جزء أحزنكم شديدا هل لانه لم يسلم الكنيسة للمسيح؟ ام لأنه ترككم يتامى دون أب. متى دافع عنكم؟ يوم حلل للحكام موتكم ام يوم حيى ادارتهم للبلاد؟ تدعون وطنيته و دفاعه عن الفتنة؟ تدعون انه حماكم من كل سوء؟ لم يكن يوما معرضا لأي خطر من الذي يواجهه الأقباط عموما و مع ذلك تنسبون له شجاعة لم يقتنيها يوما.
تدعون أنه رجل فوق العادي وانه راس الكنيسة وهو بحسب ترتيب الكنيسة أسقف متقدم بين اخوة. نسيتم ان المسيح هو راس الكنيسة و رئيس كهنتها الأعظم. تدعون ان عدد محبيه وكثرتهم دليل على صدق طريقه و المسيح الذي تحملون اسمه تبعه اثنان حتى الصليب ولم يكن له قبر يوضع فيه.
لا تحزنوا كثيرا سيأتيكم بطرك سريعا وسيكون من تطلبون و ستجدوا معبودا جديدا لتعبدوه . فهنيئا لكم الهكم الجديد.
أما عني أنا فأتمنى ان تكون هذه فرصة لتخرج كنيستي من عباءة الرجل الواحد كلي الحكمة و تصير بالفعل كنيسة مجمعية يرعاها أساقفة اخوة على قدم المساواة.
و اخيرا دعوا الرهبان يعودون إلى اديرتهم ويرجعوا إلى نذورهم الرهبانية. لا تشغلوهم بأمور المال والعالم لأنهم تركوا العالم عن اختيار ورجوعهم اليه هو كسر للنذر أما بقائهم في العالم تحت مسمى رهبان أو أساقفة فانما هو خداع للنفوس.

Thursday, March 15, 2012

في نقد الحوار الكنسي - 2: التواضع



من اكثر الردود التي نراها في الحوار مع خدام الكنيسة هي الدعوة للتواضع... و لنتناول ماذا يقصدون بذلك.

أولا يبدو ان التواضع عندنا هو شيء "تفعله". فهو ليس شيء بداخلك - أو بالأصح لا يهم ان يكون بداخلك -  بقدر ما هو شيء مطلوب منك ان تفعله.
يظهر هذا في الدعوة للتواضع ذاتها - فانت هنا مطلوب منك ان تظهر تواضعك - و يا لها من مفارقة!


قد يكون من السهل رفض الإعتراف بأن هذا التواضع الشكلي منتشر بين الأقباط و الإصرار على ان "القلوب لا يعرفها سوى الله" و "مينفعش نعمم في الكلام"... لو لم تكن قد انتشرت عننا كأقباط سمعة سيئة بخصوص التواضع المزيف حتى صار جزء من صورة نمطية  لنا في المجتمع المصري.
فصورة القبطي النمطية منذ زمن بعيد هي صورة ذلك الشخص الذي يحقر ذاته في كلامه كي لا تستطيع ان تهينه بينما يوجه هو لك الإهانات متسترة خلف احترام كاريكاتوري مبالغ فيه!
أذكر هذه الصورة بوضوح في وصف وجيه غالي في روايته "بيرة في نادي السنوكر" لخادم المنزل القبطي في بيت عائلة غنية.
و بعيدا عن الأدب، كلنا بالتأكيد رأينا أو سمعنا من قبل مشاجرة داخل المجتمع الكنسي من تلك التي تمتلئ بتعبيرات مثل "حاللني" و "أنا ماجيش حاجة جنبك" و "قداستك" و لكنها في نفس الوقت تقطر سما و مرارة.
و بالرغم من انه من الواضح للجميع ان هذا الشكل البغيض من التعامل ليس تواضعا حقيقيا، لكني أعتقد أنه يستمد جزء كبير من وجوده من نظرتنا العامة لما هو التواضع حقيقة.

الإعتقاد السائد هو ان التواضع مرتبط بتحقير النفس عن مستواها الحقيقي الذي تعرفه و يعرفه الجميع.
فمثلا نسمع تعليقات عن فرط تواضع الأنبا شنودة الثالث الذي جعله يجلس على الأرض حينما قابل الأب متى المسكين...
لاحظ هنا ان لا احد يمكنه ان يقول عن جلوس الأنبا شنودة على الأرض ان "هو ده مقامه"، لكننا نرى إختياره ان "يفعل" ذلك تواضعا. أي ان التواضع هنا هو شيء لا علاقة له بحقيقة الإنسان - و الإنسان ذاته يعلم هذا و هو "يفعل" ما يلزم ليكون متواضعا.
هذا هو عادة المقصود بالتواضع عندما يطلب منا في وسط الحوار (أو بعد نهايته) أن نكون متواضعين. المطلوب هنا هو ان نقلل من أهمية و قوة حجتنا بأن نعترف بأننا "غلبانين" و حكمتنا لا يمكن ان تصل إلى حكمة من نجادلهم أو من نتجادل بخصوص آرائهم.

و لكن الأب متى المسكين نفسه كان له رأي مختلف في مسألة التواضع، فقد كتب قائلا "لا أحاول ان اظهر تواضعي او تمنعي اذا طلب مني الصلاة او إبداء الراي في الروحيات، واعتبر ان التواضع الحقيقي هو ان يظهر الانسان علي حقيقته الطبيعية."

وجدت معنى مشابه ايضا في هذه القطعة من تدوينة قبطية كاثوليكية:
تعتبر القديسة تريزا الأفيلية أن التواضع هو اسم آخر للحقيقة. التواضع هو وقفة حقيقة أمام الواقع وأمام ذواتنا. وأسوة بها تقول القديسة تريز الطفل يسوع أن التواضع هو إقرار بالواقع: "يبدو لي أنه لو تسنى لزهرة صغيرة أن تتكلم، لأعربت ببساطة عما صنع إليها الله، دون أن تحاول إخفاء إحساناته، ولما قالت، بتواضع مزيف، إنها قبيحة المنظر لا عطر لها، وإن الشمس قد سلبتها تألقها، وإن العواصف قد كسرت ساقها، بينما تقر في داخلها بأنها على عكس ذلك" (القديسة تريز الطفل يسوع، قصة نفس، مخطوط أ، 3 ش). 


و ايضا نفس هذا المعنى شرحه أحد خدامنا الأعزاء جدا الدكتور سامح جورج (و هو الآن مع المسيح في الفردوس) فقد حكى لنا أحد اصدقائنا - الأعزاء ايضا - هذا الموقف معه:
هو سالنى السؤال ده: ايه هو عكس الكبرياء؟ رديت و قلتله التواضع. رد عليا و قالى انت بجم! عكس الكبرياء صغر النفس و انما التواضع فى ان تعرف امكانياتك وحدودوك و ان تعرف ما انت و استشهد بكلام بولس " انى تعبت اكثر من هولاء فى الضربات اوفر ....


من الواضح طبعا الفرق الكبير بين هذا المفهوم للتواضع و المفهوم الدارج في كنائسنا.

بالنسبة لي فأنا أعتقد أن فهمنا الخاطئ للتواضع هو امتداد ل"لاهوت الدود" المنتشر في تعليمنا الكنسي.
لاهوت الدود (Worm Theology) هو تعبير يطلق على التعليم بأن الإنسان كائن حقير مثل الدودة و لا يستحق محبة الله أو رحمته. المقصود غالبا هو التركيز على كيف ان الله رائع و عظيم لأنه يحبنا برغم ذلك!
مصدر التعبير هو غالبا احد سطور لحن انجليزي قديم لاسحاق واتس تقول (مترجمة): 

"واحسرتاه! أحقا نزف المخلص.. 
و هل مات مليكي؟
و هل أعطى رأسه المقدس..
 لدودة حقيرة مثلي؟"

أتذكر أول مرة لاحظت هذا التعليم عندنا في الكنيسة، كنت صغيرا في السن و كنت مع والدتي في السيارة و كنا نستمع إلى شريط كاسيت ترانيم مسيحية أخذته من معلمة الدين عندنا في المدرسة. لا أتذكر كلمات الترنيمة الآن لكنها كانت شبيهة بكلمات ترنيمة "بقى أنا أستاهل".


أذكر بوضوح ان امي قالت لي وقتها ان الترنيمة لا تعجبها، و بما اني كنت أحب معلمة الدين و بالتالي أحب الترنيمة - فهكذا نفكر و نحن صغار... و يبدو أنا نظل نفكر هكذا و نحن كبار احيانا - بما اني كنت أحب معلمة الدين شعرت بالضيق و سألت أمي لماذا لا تعجبها الترنيمة. اجابتني قائلة اننا يجب ان نعرف ان قيمتنا عند الله عظيمة جدا... فنحن خليقته و أبنائه.


التصقت هذه الكلمات بعقلي الباطن و إن كانت لم تمنعني في فترة شبابي من ترديد ترانيم مثل "بقى أنا أستاهل" بتأثر شديد مثل أي شاب متدين يعيش في حضن الكنيسة. لكن هذه الكلمات عادت تطفو تلقائيا في ذهني عندما بدأت أدرك ان هناك مشكلة حقيقية في نظرتنا لأنفسنا.


فأنا الآن لا افهم حقا ما نوع المجد الذي ننسبه لله بتحقير ذواتنا و نحن أبنائه و أحبائه.
عندما يحب شاب فتاة... هل يكون سعيدا إذا تكلمت عند لقاءهم عن كم هي قبيحة و فقيرة و كم هو عظيم لأنه يحبها برغم ذلك!؟
و لماذا نصر على تجاهل التعليم الخاص بتمجيد طبيعة الإنسان في تجسد المسيح؟
ألم يتجسد المسيح لكي "ياخذ ما لنا و يعطينا ما له؟". كيف يكون لنا ما له و نظل نعيش و نتكلم كمن ما زالوا في قاع الخليقة!؟
هل يعطي أب ميراثا عظيما لإبنه ثم يسر حينما يجده يتحدث معه و مع الآخرين كالمتسولين؟
كيف يمكن ان يرضي تحقيرنا لذواتنا الله!؟

و الذي يؤكد ان هذا التعليم فاسد حتى النخاع هو ان المسيح لم يفعل ذلك قط.
و في الواقع فالمسيح يجب ان يكون مثال التواضع الأعظم بالنسبة لنا كمسيحيين... فهو قد وضع ذاته و أخلاها بأنه نزل من ملكوته إلى عالمنا الساقط ليرفعه اليه ثانيا.
لم يحقر من ذاته لكنه لم يمنعها عن أحد منا.
لم يمتنع عن الكلام في المجمع لصغر سنه لكن نطق بالحكمة الإلهية و تحاور مع المعلمين الأكبر منه سنا و مركزا.
جلس مع العشارين و الخطاة و الزواني و صادقهم و قبلهم إليه.
ارتضى ان يصلب ما بين لصين و ينزل إلى جحيمنا ليشاركنا فيه و ينير وادي ظل الموت بحياته.

و هذا هو بالضبط التواضع المطلوب منا كمسيحيين نحمل الروح القدس - الله ذاته - بداخلنا.
فبالتأكيد نحن لا يمكن ان نمجد الله فينا إن ظللنا نحقر من أنفسنا.


و للحديث بقية... عن سلام الكنيسة الذي نزعزعه بكلامنا




Wednesday, March 14, 2012

في نقد الحوار الكنسي - 1: الإدانة

مؤخرا ازدادت مناقشاتي مع شباب و خدام الكنيسة - غالبا على الفيسبوك - بخصوص القضايا اللاهوتية و الروحية أو الشأن القبطي عموما.
تزداد المناقشات حدة عندما تتطرق لسياسة القيادات الكنسية، و احيانا تزداد حدة حتى لو كان النقاش حول القضايا الروحية فقط، و إن كان يبدو لي ان ذلك دائما لأن النقاش يعود إلى من قال الشيء، أي ان المشكلة دائما ما تكون في الحديث عن مواقف أشخاص بعينهم.

و لذلك عادة ما أسمع نفس الكلام و إن اختلف قائله، و من هذا الكلام:
1- "بلاش تدين حد". يقصد بالإدانة هنا الحديث حول أخطاء الاكليروس (الأنبا شنودة خصوصا) في التعليم أو التفسيرات أو المواقف السياسية.
2- "خليك متواضع". و يقصد بالتواضع هنا الإبتعاد عن الحديث عن من هم أكبر منا مقاما و التسليم بأن حكمتهم لابد و ان تكون فوق كل ما نقوله.
3- "الكلام ده غلط دلوقتي، عايزين نحافظ على سلام الكنيسة". عادة ما يقال ذلك عندما يحتد أحد المتحاورين في الكلام و يبدو ان الأمور "قلبت جد"، و يكون الهدف هو تذكير الجميع بأهمية الإتفاق كقيمة أساسية في الكنيسة.


و غيرها من درر التراث الشعبي الكنسي...


حسنا، فلنتناول كل من هذه الردود على حدة. هدفي لن يكون الرد عليهم بقدر الكشف عن المعتقدات المضرة التي تقف خلف كل من هذه الردود.

و لنبدأ بالإدانة. فقد عانى هذا المفهوم معنا في الكنيسة منذ حملنا الكلمة فوق معناها بكثير.


حاليا في الثقافة الكنسية القبطية تعني هذه الكلمة الحكم بأن شيء أو شخص ما مخطيء.

حتى إذا تغاضينا عن كيف ان هذه الخطيئة يختص بها العامة و لا نسمع أبدا ان أحد الأساقفة قد "أدان" احدا عندما حرمه من الشركة مع المؤمنين، سنجد ان هذا التعريف يضعنا امام مشاكل كثيرة.
سنجد أن المسيحي "الحق" غير مسموح له بالحكم على أي شيء. هذا يعني أنه لا يمكنه ان يعمل بالشرطة أو القضاء و لا يمكن ان يشهد في المحكمة أو حتى يعمل كحكم في مباراة كرة.
ألا تعتمد كل هذه المهن أساسا على الحكم بان أحد الناس قد أخطأ؟
إن كان من الصعب ان تأخذ هذه الأمثلة بجدية فهذا لأنها تلفت النظر إلى أن تعليمنا عن الإدانة ايضا لا يمكن أخذه بجدية.
في الحقيقة إذا أخذنا هذا التعليم بجدية سنجد أننا كمخلوقات أخلاقية نفكر دائما في كل موقف نراه من منطلق الصواب و الخطأ، و هذا يعني أننا طوال الوقت سنضطر ان "ندين" من حولنا و لو لا شعوريا.

هذا من الناحية العملية، من الناحية الكتابية سنجد ان كل موقف قام فيه المسيح بتوبيخ الكتبة و الفريسيين يقع تحت هذا التعريف.
عندما نقول هذا غالبا ما نسمع الرد بأن هذا هو المسيح و لذلك فله حق الإدانة.
بجانب ان هذا يجعل الخطيئة شيء نسبي و يشكك في فكرة ان المسيح بلا خطية بما انه بحسب هذا الكلام ما هو خطيئة نحن عرضة لها فالمسيح ليس أقوى منها لكنها "ماتتحسبش"، بجانب ذلك فهذا اصلا ضد كلام المسيح ذاته عن نفسه: "وَإِنْ سَمِعَ أَحَدٌ كلاَمِي وَلَمْ يُؤْمِنْ فَأَنَا لاَ أَدِينُهُ لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدِينَ الْعَالَمَ بَلْ لِأُخَلِّصَ الْعَالَمَ (يو 12: 47)".
ما معنى ذلك؟ كيف يقول المسيح انه لم يأتي ليدين غير المؤمنين به إذا كان قد وبخ الفريسيين و الكتبة كثيرا؟ إذا فماذا كان يفعل؟


ثم فلننظر إلى تعليم "لا تدينوا لكي لا تدانوا" الكتابي:

  • لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا. لأَنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ.
  • وَ لِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَ تَفْطَنُ لَهَا؟ أَمْ كَيْفَ تَقُولُ لأَخِيكَ: دَعْنِي أُخْرِجِ الْقَذَى مِنْ عَيْنِكَ وَهَا الْخَشَبَةُ فِي عَيْنِكَ. يَا مُرَائِي أَخْرِجْ أَوَّلاً الْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّداً أَنْ تُخْرِجَ الْقَذَى مِنْ عَيْنِ أَخِيكَ! (متى 7: 1-5)

من المثير للإهتمام أن في نفس هذا الإصحاح نجد المسيح يحذرنا من المعلمين الفاسدين:


  • احْتَرِزُوا مِنَ الأَنْبِيَاءِ الْكَذَبَةِ الَّذِينَ يَأْتُونَكُمْ بِثِيَابِ الْحُمْلاَنِ وَلَكِنَّهُمْ مِنْ دَاخِلٍ ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ!
  • مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ. هَلْ يَجْتَنُونَ مِنَ الشَّوْكِ عِنَباً أَوْ مِنَ الْحَسَكِ تِيناً؟ هَكَذَا كُلُّ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تَصْنَعُ أَثْمَاراً جَيِّدَةً وَأَمَّا الشَّجَرَةُ الرَّدِيَّةُ فَتَصْنَعُ أَثْمَاراً رَدِيَّةً. لاَ تَقْدِرُ شَجَرَةٌ جَيِّدَةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَاراً رَدِيَّةً وَلاَ شَجَرَةٌ رَدِيَّةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَاراً جَيِّدَةً. كُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَراً جَيِّداً تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ. فَإِذاً مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ. (متى 7: 15-20)


كيف يمكننا ان نفعل ذلك دون ان "ندين" هؤلاء المعلمين (الأنبياء) الكذبة؟ كيف ننظر ثمارهم و لا ندينهم؟ أليس الحكم على أعمالهم بالفساد إدانة للأعمال و من يعملها؟
يبدو انه ليس كذلك...
ثم كيف يعلم المسيح قائلا لاَ  تَحْكُمُوا حَسَبَ الظَّاهِرِ بَلِ احْكُمُوا حُكْماً عَادِلاً (يو 7 : 24)؟
إذا فالحكم على الأمور و الناس لا يعتبر ادانة، بحسب وصية المسيح.


فما هي إذا الإدانة التي يحذرنا منها المسيح؟


المسيح في القطعة أعلاه يأمر "المرائي" بعدم التعرض لأخيه الذي في عينه "قذى". أي انه في قلب التعليم يسعى لحماية اكثرنا خطية من "المنافق" الذين يظهر قداسته من خلال فضح خطايا الضعفاء. هذا الإنسان منافق لأن لديه نفس الخطية و يعلم ذلك، لكنه يكسب سلطة و جاه بإفتراس هؤلاء الذين هم أقل منه - مثل المرأة الزانية التي أمسكت في ذات الفعل فأتوا بها ليرجموها و "ياخدوا بونطة".
لقد هاجم المسيح كل ذو سلطان متكبر من خلال التوبيخ و النهر و استخدم ألفاظا قاسية أحيانا، بينما تجنب ذلك تماما مع الخطاة المنبوذين الضعفاء مثل هذه المرأة التي أمسكت في ذات الفعل. فما دلالة ذلك؟ هل المسيح - أخلاقيا - يكيل بمكيالين؟


للأمانة، أنا لا أعتقد أن المسيح كان مهتما بالتعليم الأخلاقي بل بالتعليم الروحي، أي ان المسيح كانت بوصلته الأخلاقية مرتبطة بالناس و وضعهم و خلاصهم.
الكتبة و الكهنة كانوا يفسدون الشعب بتعليمهم و كانوا ايضا متكبرين و لذلك كان التوبيخ لكسر كبريائهم كما كان لكسر صورة قداستهم أمام الناس لكي يخرجوا من تحت سيطرتهم. بينما الخطاة الضعفاء مثل المرأة الزانية هم "فتيلة مدخنة" مسحوقة تحت نير الخطية الشخصية و بالتالي كان المسيح رفيقا بها، عطوفا -  تلك التي قال لها "إذهبي، أنا أيضا لا أدينك".
فالإدانة دائما هي الحكم بالهلاك على الخطاة الضعفاء، و هي دائما "نفاق" - أي أنها لأسباب لا علاقة لها بالإصلاح لكن يقوم بها المرائي لينتفع شخصيا. و لهذا يكرهها المسيح و يحذر منها. 

لذلك و للتوضيح، أنا لا أرى رفض الإدانة كنوع من التعليم الأخلاقي من المسيح، لكني أراه موقف نصرة للمساكين.
هو بالضبط نفس الموقف الذي جعله يصب الويلات على الذين هم في السلطة و "يأكلون بيوت الأرامل". و هو نفس الموقف الذي جعله يصادق العشارين و الزواني.
أعني أن تعليم المسيح بعدم الإدانة هو في جوهره نفس التوبيخ الموجه للكتبة و هو نفس التحذير من الأنبياء الكذبة - هو نصرة الضعيف و اذلال المتجبر، و بهذا يصير تعليم "لا تدينوا" متوافق تماما مع توبيخ المنافقين و الظالمين.

لذلك فانا أرى ان ما نفعله نحن في الكنيسة الآن هو بالضبط عكس تعليم المسيح. فنحن نتغاضى عن طرد الخطاة الضعفاء من وسطنا بينما نرفض أي محاولة للكشف عن المعلمين الفاسدين أو المنتفعين من مراكز السلطة. قررنا إن نرفض كل نقد من داخل الكنيسة بدعوى عدم الإدانة و صرنا نعني بها عدم التمييز!
فصرنا نتجنب النقاش حول التعليم الضار، و صرنا نغمض أعيننا عن الفساد الإداري و المالي لدينا، و تركنا الحملان للذئاب الخاطفة - تلك التي تحدث عنها المسيح - كل هذا بدعوى عدم الإدانة.
أرى أننا تركنا قلب تعليم المسيح و فسرناه لكي نغطي على فسادنا.  أي أننا نأخذ الموقف المعاكس تماما لموقف المسيح!
كذلك على المستوى الشخصي و بسبب هذا التعليم أصبحنا كشعب مشلولين فكريا خوفا مما نظنه إدانة - التي هي في الحقيقة تمييز مطلوب بحسب الوصية - أو على الأقل غير قادرين على الحياة بضمير نقي لأننا دائما نشعر أننا ندين من حولنا عندما نمارس التمييز الأخلاقي الطبيعي.


و للحديث بقية - عن التواضع و سلام الكنيسة و غيرها من المفاهيم التي شوهها التعليم الكنسي الحالي.